غادر المنزل يبحث عن هدية عيد الميلاد لولديه التوأمين , فهو لم يحتفل بهذه المناسبة من قبل قط, ولكن هذه السنة ثمة سؤال عفوي تبادر الى ذهنه : لماذا لا يبادر الى احياء هذه المناسبة الغالية ؟ , رغم أن ما يجنيه من عمله مخصص لقضاء حاجات ملحة جداً ,
فلم يكن يتجرأ على صرف قطعة نقود واحدة لشراء هدية لمن يحيطون به او حتى لاصدقاءه بالمناسبات المتعددة, والبرنامج اليومي للأسرة لا يسمح بهذه الأمور,ولذلك فقد كان يعتبر نفسه بارعاً في اختلاق الأعذار لأصدفاءه عن أية دعوة توجه اليه , فالأسياف مسنونة والقلوب مفجوعة , لا آمال ولا خيارات .....
في ذلك اليوم غادر منزله كمن يغادر ليخوض امتحان عسير , ظله يتسابق مع جسده , وتجاوز المعابر التي وضعها المحتل , وتعمّد البصق على وجوه من اغتالوا أحلامه وأحلام الشعب ,التهب صدره واشتدت عزيمته وتسارعت خطواته عندما اقترب من دكان الحلوى , وقبل دخوله شعر بقوة تشده الى الخلف كأنها ريح خفية بقوة مارد , ولكنه أطلق سهام الجرأة متحرراً من ذلك المارد ,ولم يتردد بعد , فاشترى هدية عيد ميلاد ولديه التوأمين وعاد مسرعاً الى البيت تحثه قواه على التقدم , ولكن , وفي طريقه الى البيت صادف وجوهاً واجمة وكالحة بعيون حمراء وشفاه ندبة , وبين هذا الحشد الرديء رأى والدته على أحد معابر الاحتلال , تلهث باحثة عنه , وما ان رمقته بنظراتها الحائرة حتى بدأ يعدو نحوها , وفجأة امتدت قبضة حديدية سلبت منه هدية عيد ميلاد ولديه وطرحته أرضاً , فبترت احدى قدميه على الارض , وكأن الاحتلال قد أصدر حكمه بدون تردد بحق الأب والهدية ,
لكن ارادة الشعب بركان لا تنبت على فوهته أعشاب التردد , اجتمع الناس حول الجريح ,
وغادروا به هائمين الى منزله , حاملين معهم رجله المبتورة هدية عيد ميلاد ولديه التوأمين .....
وكم من البيوت التي تهدمت على رؤوس ساكنيها , تفوح منها رائحة الدماء الذكية التي أرهقت المكان بعبق الطهر والبراءة والطفولة .؟
وكم مرة سال هذا الدم الطاهر على ساحة الأقصى وبيادر القطاع؟