إلى القراء الذين يقرءون كتاباتي دون أن اعرفهم.....
أتمنى أن تعجبكم مشاركتي فقد أحببت أطلعكم على بعض قراءاتي المتواضعة.
الزمان:
الساعة السابعة من مساء يوم الثلاثاء 23 تموز عام 1940
المكان:
شاطئ البحر الأبيض المتوسط في الإسكندرية..
الحدث:
احد المواطنين يسير بجوار الشاطئ وبيده كميه من" الشيكولاته" يأكل منها بشهية واضحة وكلما قابله طفل أعطاه قطعه من الحلوى وربما داعب شعر الطفل بحنان أبوي.
كان على شفتيه مشروع ابتسامه غامضة ولكن إذا تأمل الإنسان هذه الابتسامة الباهتة التي تزين الوجه الوديع الشاحب لوجد وراءها شعورا عميقا بالعذاب النفسي والقلق الوجودي ورغبة للانفجار بالبكاء حتى حد الإعياء.
المفاجأة:
وفوجئ الناس الذين كانوا يتنزهون بالرجل الذي كان يمنح الأطفال "الشيكولاته" والابتسامات يلقي بنفسه في البحر دون سابق إنذار فيبتلعه البحر وتدميه مخالب الأمواج ويحاول بعض المتطوعين إنقاذه فتخفق محاولاتهم الشجاعة وينجح رجال الشرطة والإطفاء بعد ساعات بالعثور على جثته الباردة وقد زاد وزنها ويعثر البوليس في ملابسه على رسالة شخصية منه إلى رئيس النيابة يخبره بأنه انتحر لزهده في الحياة وكراهيته لها.
بطل القصة الغامضة:
في صباح اليوم التالي .. نعت صحف القاهرة وفاة العالم الشاب الدكتور :إسماعيل احمد ادهم عضو أكاديمية العلوم الروسية.. و تهتز الأوساط الثقافية العربية لهذا النبأ المحزن.
لماذا انتحر إسماعيل ادهم؟
هناك تفسيرات شتى.. وأراء عديدة.. فمنهم من رد ذلك إلى القلق النفسي ومنهم من رده إلى مرضه بالسل الرئوي.كما رده البعض إلى ضيق ذات يده وعجزه في تامين المنزل الذي يحميه أو إلى تضييق السلطة العسكرية البريطانية عليه نطاق المراقبة بسبب اتصاله بإذاعة (باري)الايطالية الفاشية أو ربما أيقن أن مهمته الفكرية قد انتهت وانه أدى واجبه العلمي كمفكر فاستسلم لصخب الأمواج...
من هو إسماعيل ادهم:
وصفه احد الأدباء العرب بقوله:شاب في حدود الثلاثين مغولي الوجه والسحنة اقرب إلى القصر منه إلى الطول والى الهزال منه إلى البدانة تقرأ في وجهه سيماء العلماء الذين أنهكهم الدرس وأضناهم التفكير سريع الحديث قوي الحجة ولوع بالجدل والمناظرة يكتب في اليوم أكثر من مائتي صفحة في مختلف الموضوعات....لقد الدكتور ادهم في حقبه قصيرة ما يعمله العلماء الأفذاذ في سنوات طويلة......وكأنه عمل جهود أربعين سنة في أربع سنوات..)
ولد إسماعيل بمدينة الإسكندرية عام 1911 من أب تركي وأم المانيه كان والده من أمراء اللواء في الجيش التركي سابقا ووالدته السيدة أيلين فانتهوف كريمة البروفيسور الشهير عضو أكاديمية العلوم الروسية.
تلقى دراسته الابتدائية في مصر والثانوية بين مصر وتركيا ودراسته العالية في روسيا حيث درس الرياضيات بجامعة موسكو ونال الدكتوراه منها ثم عاد إلى مصر عام 1935 وراح يكتب مقالات أدبيه ودراسات نقدية في صحف ومجلات عربية.
تساؤلات لا إجابة عليها:
كيف استطاع إسماعيل ادهم أن يحصل على (الدكتوراه) من جامعة موسكو في العلوم والفيزياء والرياضيات وهو في الثانية والعشرين من عمره؟
ثم (الدكتوراه) الفخرية في الأدب وهو في الخامسة والعشرين من عمره علاوة على ذلك كيف عين كأستاذ للرياضيات في جامعة لينغراد وانتخب عضوا لأكاديمية العلوم للجمهوريات السوفاتيه ؟
وكيف استطاع أن يجيد اللغات :العربية والتركية والفارسية والألمانية والانكليزية والايطالية؟
وكيف تم له هذا كله قبل عودته إلى الإسكندرية 1935 حيث أقام هناك حتى انتحاره الغامض بل كيف هجر ذلك الماضي العلمي العريق ليحترف الكتابة في الأدب والنقد والفلسفة وليشارك في خصومات نقدية ساخنة وجريئة مع أدباء عصره على حد تعبير الدكتور علي الشلش.
في هذا الشأن:
يذكر العديد من الأدباء الذين عاصروا إسماعيل ادهم انه كان فقيرا ولم يسبق له زيارة الاتحاد السوفيتي أو أية دولة أوروبية وهو لا يعرف من اللغات سوى:العربية والتركية والانجليزية بصورة محدودة وان استعمل في مقالاته بعض الاصطلاحات النقدية الأجنبية بهدف إيهام القراء وتضليلهم وإنما انتحل هذه الصفة العلمية ليحظى باهتمام القراء والوسط الثقافي وليسهل عملية نشر مقالاته في الصحف والمجلات المصرية والعربية.
ويبدو انه نجح في تمثيل دوره بإتقان بدليل أن أصحاب المجلات والصحف كانوا ينشرون ما يجود به قلمه باهتمام ومن أين للناس أن يعرفوا الحقيقة ومصر لم تكن على علاقة دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي حتى عام 1945 أي بعد انتحار ادهم إسماعيل بخمس سنوات وفي المقابل يؤكد بعض من كتب السيرة الذاتية لإسماعيل ادهم أن والدته ألمانية وان والدها عالم مشهور.
أخيرا:
على الرغم من غموض شخصيته المركبة وملابسات انتحاره الشاذ وكثرة الاتهامات التي وجهت إليه فانه ترك مؤلفات قيمة ودراسات هامة ترشحه لان يكون احد رواد النقد العربي الحديث .
من مؤلفاته:
الزهاوي الشاعر.
طه حسين ,دراسة وتحليل.
لماذا أنا ملحد؟
ودمتم
