خروُج يأجوج وَمأجوج
ذكر الحق تبارك وتعالى في سورة الكهف أن ذا القرنين في تطوافه في الأرض بلغ بين السدين ، فوجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ، فاشتكوا له من الضرر الذي يلحق بهم من يأجوج ومأجوج ، وطلبوا منه أن يقيم بينهم وبينه سداً يمنع عنهم فسادهم، فاستجاب لطلبهم ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا - قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا - قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا - آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا - فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا - قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا - وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا )[ الكهف : 93-99 ] .
ويأجوج ومأجوج أمتان كثيرتا العدد ، وهما من ذرية آدم عليه السلام ثبت في الصحيحين : " أن الله تعالى يقول (1) : يا آدم ، فيقول : لبيك وسعديك ، فيقول : ابعث بعث النار ، فيقول : وما بعث النار ؟ فيقول : من كل ألف تسمعائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ، فحينئذ يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها ، فقال : إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه ، يأجوج ومأجوج " ، قال ابن كثير بعد سياقه لهذا الحديث : " وقد حكى النووي في شرح مسلم عن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج قد خلقوا من منى خرج من آدم ، فاختلط بالتراب فخلقوا من ذلك، فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من حواء " وقد رد ابن كثير هذا القول وأنكره قائلاً : " وهذا قول غريب جداً ، ثم لا دليل عليه لا من عقل ، ولا من نقل ، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة " (2)
درُوس الإسلام وَرفع القرآن وَفَناء الأخيَار
بعد ذلك الانتشار العظيم للإسلام الذي يعم المشارق والمغارب ، يضعف الإسلام مرة أخرى ، ويترعرع الشَّر ، ويرفع هذا الدين العظيم ، ويرفع القرآن ، ويذهب العلم ، ويقبض الله من كان في نفسه بقية من إيمان ، فلا يبقى بعد ذلك إلا شرار الخلق ، وعليهم تقوم الساعة .
أخرج ابن ماجة والحاكم عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ، حتى لا يدرى ما صيام ، ولا صلاة ، ولا نسك ، ولا صدقة ، وليسرى على كتاب الله في ليلة ، فلا يبقى في الأرض منه آية ، وتبقى طوائف من الناس : الشيخ الكبير والعجوز ، يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة ( لا إله إلا الله ) فنحن نقولها " (1) .
عودَة البشريَة إلى الجاهليَة وَعبادة الأوثان
فإذا درس الإسلام ، ورفع القرآن ، وقبضت الريح كل من في قلبه مثقال ذرة من إيمان – عادت البشرية إلى جاهليتها الأولى أو أشد ، فتطيع الشيطان ، وتعبد الأوثان .
وقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم عما يكون بعد موت المسيح عليه السلام في آخر الزمان ، ففي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم : " ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام ، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو كان أحدهم دخل في كبد جبل لدخلته عليه ، حتى تقبضه " قال : سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فيبقى شرار الناس في خفة الطير ، وأحلام السباع ، لا يعرفون معروفاً ، ولا ينكرون منكراً ، فيتمثل لهم الشيطان فيقول : ألا تستجيبون ؟ فيقولون : ما تأمرنا ؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان ، وهم في ذلك دارةٌ أرزاقهم ، حَسَنٌ عيشهم ، ثم ينفخ في الصور .. " الحديث (1) .
هَدم الكعبَة عَلى يَدِ ذي السويقتين
ولعل هذا الزمان هو الذي يهدم فيه ذو السويقتين الكعبة ، ففي الحديث الذي يرويه الإمام أحمد في مسنده من طرق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يبايع لرجل ما بين الركن والمقام ، ولن يستحل البيت إلا أهله ، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب ، ثم يأتي الحبشة فيخربونه خراباً لا يعمر بعده أبداً ، وهم الذين يستخرجون كنزه " (1) .
وروى الإمام أحمد في المسند أيضاً عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يخرب الكعبة ذو السويقتين في الحبشة ، ويسلبها حليها ، ويجردها من كسوتها ، ولكأني أنظر إليه أصيلعاً أفيدعا ، يضرب بمسحاته ومعوله " (2) .
طُلوع الشمس من مغربهَا
من الآيات البينات الدالة على وقوع الساعة طلوع الشمس من مغربها ، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعين ، فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانهم لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً " (1) .
خرُوج الدابَّة
وهذه الدابة آية من آيات الله تخرج في آخر الزمان ، عندما يكثر الشر ، ويعم الفساد، ويكون الخير قلة في ذلك الزمان ، وهذه الدابة هي التي ذكرها الحق في قوله تعالى: ( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ )[ النمل : 82 ] .
ولا شك أن هذه الدابة مخالفة لمعهود البشر من الدواب ، ومن ذلك أنها تخاطب الناس وتكلمهم ، وقد ذكرنا جملة من الأحاديث التي عدَّ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة العظام – خروج الدابة .
وروى الإمام أحمد في مسنده ، والبخاري في الكبير ، والبغوي في " حديث علي بن الجعد " ، وأبو نعيم في أخبار أصبهان بإسناد صحيح عن أبي أمامة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " تخرج الدابة ، فتسم الناس على خراطيمهم ، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير ، فيقول : ممن اشتريته ؟ فيقول : اشتريته من أحد المخطمين " (1) .