الساعة آتية لا ريب فيها
الإيمان بيوم القيامة أصل من الأصول ، لا يتم الإيمان إلا به : ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ) [ البقرة : 177 ] ، ( وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ) [ النساء : 162 ] .
وقد ساق القرآن ضروباً متنوعة من الأساليب البيانية الراقية كي يؤكد وقوعها في نفوس العباد : ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) [ الرعد : 2 ]. ففي بعض المواضع يكون الحديث عنها خبراً مجرداً ( اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )[الروم : 11 ] ( وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ) [ النور : 64 ] .
ومرة يؤكد وقوعها ( بأن ) كقوله : ( إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ ) [ طه : 15 ] ، ومرة ( بإن ) واللام ( وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) [ الحجر : 85 ] . ( فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [ العنكبوت : 5 ] . وفي بعض المواضع ينفي الريب والشك عن وقوعها ( إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ) [غافر : 59].
وفي بعض الآيات يقسم الحق على أنها آتية واقعة ، مرة بنفسه ، ومرة بمخلوقاته العظيمة ، فمن إقسامه بنفسه ( اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )[النساء : 87] ، ومن إقسامه بالعظيم من مخلوقاته قوله : ( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا - فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا - فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا - فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا - إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ - وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ) [ الذاريات : 1-6 ] ، وقوله : ( وَالطُّورِ - وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ - فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ - وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ - وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ - وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ - إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ - مَا لَهُ مِن دَافِعٍ ) [ الطور : 1-8 ] .
وفي بعض المواضع يأمر رسوله في مجال الحِجَاج والخصام بالإقسام بربه مؤكداً وقوعها ( وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) [يونس : 53]، ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) [ سبأ : 3 ] وفي بعض الآيات يخبر بأنها حق ( إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) [ لقمان : 33 ] ومن تتبع طريقة القرآن في تأكيد الإخبار بها تحصل عنده أنواع كثيرة ، وقد ذكرنا طائفة منها (1)
الساعة قريبة
أعلن رب العزة لعباده في كتابه المنزل منذ أربعة عشر قرناً أن الساعة قد اقتربت ، وآن أوان وقوعها ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ) [ القمر : 1 ] ، وانشقاق القمر إحدى الأمارات الدالة على قرب وقوعها ، ولما كانت الساعة قد اقتربت قرباً عظيماً فإن القرآن يصور أنها أتت وحضرت ( أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ) [ النحل : 1] .
ولو كان البشر يوقنون بما أنزل الله بقلب مبصر ، وعقل حاضر مدرك لَهَاَلهُم الأمر ، وملك عليهم نفوسهم ، ولذلك كان حالهم عجباً ، الخطر قريب قريب ، ومع ذلك فإنهم غافلون عن الهول الذي يكاد يطبق عليهم ، ويحيط بهم ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ - مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ - لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) [ الأنبياء : 1-3 ] ، ولذا فإنه قد كثر في القرآن تحذير العباد من الساعة ، والأمر بالاستعداد لها ، وعبر عنها بالغد ، وهو اليوم التالي لليوم الذي تعيش فيه ( وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) [ الحشر : 18 ] .
قد يقال : كيف يكون قريباً ما مضى على الإخبار بقرب وقوعه ألف وأربعمائة عام؟ والجواب أنه قريب في علم الله وتقديره ، وإن كانت المقاييس البشرية تراه بعيداً ( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا - وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) [ المعارج : 6-7 ] .
والأمر الذي ينبغي أن ينتبه إليه أن الباقي من الدنيا قليل بالنسبة لما مضى منها ، فإنك إذا وضعت لمن لك عليه دين أجلاً طويلاً ، كأن توجله خمسين عاماً مثلاً ، فإذا انقضى من الخمسين خمسة وأربعون ، فيكون موعد السداد قد اقترب بالنسبة لما مضى من الموعد المضروب .
والأحاديث النبوية الشريفة تشير إلى هذه الحقيقة التي بيناها هنا ، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس " وفي لفظ : " إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس " .
إن الحديث يمثل الوجود الإنساني بيوم من أيام الدنيا ، ابتدأ وجود الأمة الإسلامية فيه عند العصر ، فيكون الماضي من عمر الوجود الإنساني بنسبة ما مضى من ذلك اليوم من الفجر إلى العصر ، ويكون الباقي من عمر الزمن حتى تقوم الساعة كما بين العصر والمغرب ، ذلك أن النصوص صريحة الدلالة على أننا آخر الأمم وجوداً ، وأن نهاية وجود هذه الأمة يتحقق بقيام الساعة .
وجاء في حديث آخر يرويه البخاري ومسلم عن سهل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين ، ويشير بأصبعيه فيمدهما "، ورواه مسلم عن سهل بلفظ : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطى وهو يقول : " بعثت أنا والساعة هكذا " (1) .
والمعنى أننا لو قدرنا عمر الزمن بالأصبع الوسطى ، فإن ما بقي منه عند مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بمقدار ما تزيد الوسطى عن السبابة ، وما مضى منه بمقدار السبابة من الأصبع الوسطى ، قد يكون الباقي في حِسِّ البشر طويلاً ، لأن إدراكهم محدود ، ونظرتهم قاصرة ، ولكنه في ميزان الله قريب وقصير ( أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ) [ النحل : 1] ، ( وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) [ النحل : 77 ] .
وروى الإمام أحمد عن عتبة بن غزوان قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : " أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم ، وولت حذاء ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها ، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها ، فانتقلوا منها بخير ما يحضرنكم ... " انفرد به مسلم (2) .
لا يعلم أحد وقت الساعة المعيّن
سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة ، فقال : " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " وكان السائل جبريل متمثلاً في صورة بشر ، فإذا كان أعلى الملائكة منزلة ، وهو جبريل ، وأعلى البشر منزلة وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يعلمان متى تكون – فحَريّ بأن لا يعرف أحد غيرهما وقت وقوعها .
وقد صرح القرآن أن وقت وقوعها من خصائص علم الله ، ولذا فإنه لم يطلع أحداً على وقت وقوعها ، لا ملكاً مقرباً ، ولا نبياً مرسلاً ، ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) [ الأعراف : 187 ] ، وقال في الآية الأخرى : ( يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ) [ الأحزاب : 63 ] ، ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا - فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا - إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ) [النازعات : 42-44].
وهذه الآيات واضحة الدلالة على أن معرفة الوقت الذي تكون فيه الساعة لا يعرفه إلا رب العزة ، وأنها تأتي بغتة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدري متى هي .
والساعة إحدى مفاتح الغيب الخمسة التي هي من مكنونات علم الله ( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [ لقمان : 34 ] .
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم تلا هذه الآية ( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) " [ لقمان : 34 ] (1) .
الحكمة من وراء إخفاء وقت وقوعها
قد يتساءل البشر قائلين : ما الحكمة من وراء إخفاء الوقت الذي تحل فيه الساعة ، وتقوم فيه القيامة ؟ والجواب أن إخفاءها له تعلق بصلاح النفس الإنسانية ، فوقوعها غيب، والأمر العظيم الذي يستيقن المرء وقوعه ، ولكنه لا يدري متى يفجؤه ، ويحل فيه بساحه – يجعل المرء مترقباً له باستمرار .
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى : " والمجهول عنصر أساسي في حياة البشر ، وفي تكوينهم النفسي ، فلا بدَّ من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه ، ولو كان كل شيء مكشوفاً لهم ، وهم بهذه الفطرة – لوقف نشاطهم – وأسنت حياتهم ، فوراء المجهول يجرون ، فيحذرون ، ويأملون ، ويجربون ، ويتعلمون . ويكشفون المخبوء من طاقاتهم وطاقات الكون من حولهم وتعليق قلوبهم ومشاعرهم بالساعة المجهولة الموعد يحفظهم من الشرود ، فهم لا يدرون متى تأتي الساعة ، فهم من موعدها على حذر دائم ، وعلى استعداد دائم ، ذلك لمن صحت فطرته واستقام ، فأما من فسدت فطرته واتبع هواه ويجهل ، فيسقط ومصيره إلى الردى " (1) .
لا يجوز الاشتغال في تحديد وقتها
تساءل الناس عن وقت الساعة كثيراً ، ووجهوا أسئلتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاء الجواب من منزل الكتاب ، إن الساعة غيب ، ومعرفة الزمن الذي تقع فيه من خصائص علم الله ، ( يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ) [ الأحزاب : 63 ] ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا - فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا - إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا - إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ) [ النازعات : 42-45 ] .
إن هذا العلم لم يطلع الله عليه ملكاً مقربا ً ، ولا نبياً مرسلاً ، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لجبريل حينما سأله عن الساعة " ما المسؤول عنهـا بأعلم من السائل " .
فالبحث في هذا الأمر ، والزعم أن الساعة ستقع في عام بعينه تَقَوُّل على الله بغير علم، والخائضون في ذلك مخالفون للمنهج القرآني النبوي الذي وجه الناس إلى ترك البحث في هذا الموضوع ، ودعاهم إلى الاستعداد لهذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح .
والذين يبحثون في هذا المجال يظنون أنه يمكنهم أن يعلموا ما لم يعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام ، وكفى بذلك واعظاً ورادعاً لمن كان له قلب ، أو ألقى السمع وهو شهيد ، ونحن نقول لهم : ينبغي أن يسعكم ما وسع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة هذه الأمة على مدار التاريخ .
ولو كان في معرفة الوقت صلاح وخير للبشر ، لأخبر الله به البشر ، ولكنه حجب ذلك عنهم ، وفي ذلك صلاحهم .