سنوات في انتظار قبر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله نحمده وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد..
فإن أعظم نعم الله على الإنسان أن يشرح صدره للإسلام، ويجعله من أمة محمد سيد الأنام صلى الله عليه وسلم فهذه والله هي النعمة الكبرى والمنة العظمى قال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17]
وقال تبارك وتعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]
فالحمدلله على نعمة الإسلام التي لا يعرف قدرها إلا من حفظها، وقام بحقها علمًا وعملاً وسلوكًا، وشاهد بعين بصيرته شقاء من حرمها من أهل الأديان والملل الأخرى.
إن بين يدي قصتين مأساويتين تدلان بشكل واضح على ما وصل إليه الغرب من سقوط أخلاقي، وتفكك أسري، وتمزق اجتماعي فاق كافة التوقعات، وهذا يدل على أن القوم يعيشون حالة إفلاس، فليس عندهم من ميراث الأنبياء، ما يعالجون به تلك القضايا الاجتماعية التي تعصف بمجتمعاتهم فتحولها من بعض الجوانب إلى مجتمعات وحشية، لا مجتمعات بشرية متحضرة.
إن هؤلاء لن يجدوا علاجًا لمشكلاتهم الروحية والأخلاقية إلا في ظل الإسلام، وقد أشار عقلاء الغرب إلى ذلك، فهذا (برنارد شو) يقول: "لقد تنبأت بأن دين محمد صلى الله عليه وسلم سيكون مقبولاً لدى أوربا في الغد القريب، وقد بدأ يكون مقبولاً لديهم اليوم، في الوقت الحاضر، دخل كثير من أبناء قومي من أهل أوربا في دين محمد صلى الله عليه وسلم، حتى ليمكن أن يقال: لقد بدأت أوربا تتعشق الإسلام، ولن يمضي القرن الحادي عشر حتى تكون أوربا قد بدأت به في حل مشكلاتها".
إن هذا الكلام يكذب ويدحض قول من قال: إن الإسلام لم يأت بجديد، وإن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يأت إلا بما هو شرير وسيء... {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً} [الكهف: 5]
أما قرأ هذا ما كتبته (زيغريد هونكة) وهي ألمانية مثله عن عظمة الإسلام وما جاء به من جديد للبشرية.
أما قرأ ما كتبه (توماس كارليل) في كتابه الأبطال عن عظمة النبي صلى الله عليه وسلم وعظمة ما جاء به.
أما قرأ ما كتبه (مايكل هارت) في كتابه: العظماء مائة أولهم محمد صلى الله عليه وسلم حيث بدأ سلسلة أعظم العظماء بنبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم بينما أخر المسيح عليه السلام إلى المرتبة الثالثة مع أنه مسيحي.
أما قرأ ما كتبه الشاعر الفرنسي (لامرتين) في كتابه تاريخ الأتراك عن عظمة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.
أما القصتان اللتان أشرت إليهما فها هي أحداثهما المؤلمة...
القصة الأولى
اكتشفت السلطات النمساوية جثة رجل توفى في سريره بمنزله فيما يبدو قبل خمس سنوات!!
دون أن يثير ذلك انتباه جيرانه!!
أو مالك البيت الذي يقطنه!!
وأرجعت صحيفة نمساوية عدم الانتباه لموت (فرانز رايدل) الذي يعتقد أنه كان في أواخر الثمانينات حين توفي إلى أن إيجار منزله كان يدفع آليًا من حسابه المصرفي الذي كان يحول عليه معاشه.
وقالت السلطات التي عثرت على الجثة بعد صدور أمر من المحكمة يفتح الشقة إن جثته بدت وكأنها محنطة وحفظت جيدًا!!
كما قال الجيران: إنهم لم يشموا رائحة غريبة تصدر من شقة رايدل!!
القصة الثانية
في واقعة غريبة ومؤسفة، لم يكتشف البريطاني المتقاعد (هيربرت سيلفر) وفاة شقيقه جورج إلا بعد 18 شهرًا من وفاته!!
على الرغم من أنهما يقيمان في منزل واحد!!
وعندما توجهت الشرطة إلى محل إقامة الأخوين بناء على مكالمة من هيربرت عثرت على هيكل عظمي لشقيقه!!
واعترف هيربرت 72 عامًا لصحيفة (ديلي تليجراف) بأنه لم يذهب لغرفة أخيه 75 عامًا لفترة طويلة، ولكنه اندهش أخيرًا بعض الشيء لعدم خروجه من غرفة نومه في المنزل الذي كانا يقيمان فيه معًا في بليسفورد جنوب إنجلترا.
وأضاف (هيربرت) أنه وشقيقه جورج كانا يفضلان الانعزال عن بعضهما!!
إن هناك أسئلة حائرة تطرح نفسها بخصوص هاتين الحادثتين وهي:
أين أبناء هذين الرجلين؟
أين أرحام هذين الرجلين؟
أين أصدقاء هذين الرجلين؟
أين جيران هذين الرجلين؟
هذا هو الجديد الذي جاء به الإسلام، يوم جعل مسؤولية هذا الرجل وأمثاله من المسنين تقع على عاتق الأبناء والأقارب والأصدقاء والجيران والدولة، كل بحسب موقعه ومسؤوليته..
مسؤولية الأبناء
قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} [الأحقاف: 15]
وقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان: 14-15]
وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 23-24]
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال صلى الله عليه وسلم: «أحي والداك؟»
قال: نعم
قال: «ففيهما فجاهد»
وجاءه آخر فقال له: «ارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما».
وجاءه رجل فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبويَّ يبكيان
فقال: «ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما».
وقال صلى الله عليه وسلم: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه».
إن أبناء الغربيين يتهربون من أية مسؤولية مالية تجاه آبائهم، ولو كانوا في أشد الحاجة إلى ذلك، وليس هناك ما يلزمهم بتلك المسؤولية لا من قانون وضعي ولا من وازع أخلاقي، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد حسم هذا الأمر عندما جاء رجل فقال: يا رسول الله إن لي مالاً وولدًا وإن والدي يحتاج مالي، فقال صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم».
فأين هذا ممن يترك والده، لا يزوره ولا ينفق عليه، ولا يسأل عنه، حتى يموت وتتعفن جثته دون أن يشعر به أحدًا!
مسؤولية الأرحام
والأرحام كذلك مطالبون بالبر والصلة، وقد لعن الله عز وجل المفسدين في الأرض وقاطعي الأرحام فقال سبحانه: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22-23]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه».
وقال صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه».
وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل: الذي إذا قطعت رحمه وصلها».
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة قاطع».
قال سفيان: يعني قاطع رحم.
وبالغ النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من قطيعة الرحم فأخبر أن عقوبة قاطع الرحم معجلة في الدنيا، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم».
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم».
أليس في هذه الأحاديث النبوية ما يمكن أن يعالج مشكلة هذا الأخ الذي قطع أخاه، ولم يسأل عنه، ولم يعرف بموته إلا بعد ثمانية عشر شهرًا من موته، بعد أن تعفنت جثته وتآكلت حتى أصبحت عبارة عن هيكل عظمي، على الرغم من أنهما يعيشان معًا في منزل واحد لا يفصل بينهما سوى سلم أو بعض الغرف!!
أما كان يحن إلى أخيه؟
أما كان يشفق عليه من الوحدة؟
ولكن أين منه الإحساس والشعور، وهو يملك قلبًا قاسيًا لا يعرف الرحمة، كما قال تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22]
منقول من أم الشيماء