التشرد من أجل حوار!
ما زال بعض الزملاء المحترمين في بلاط صاحبة الجلالة، وبخاصة في السعودية، يعتقدون أن وصف الصحافة بأنها مهنة المتاعب، قد ولّى إلى غير رجعة، مع تقدم وسائل الاتصال، من الفاكس، إلى الموبايل، إلى الإنترنت، ولذلك يأتي العمل المهني أو الحوار المكتوب، مفتقداً كثيراً من عين الصحافي المراقبة، ووصفه لحالة الضيف، وأجواء المكان، وملابسات الحوار.
بالأمس قرأت في صحيفة (الحياة) مقابلة أجراها الصحافي اللامع الزميل مصطفى الأنصاري مع الأمين العام لمجمع الفقه الدولي الدكتور عبدالسلام العبادي، ومع أن الحوار كان جميلاً، إلا أن قصة "التشرد" التي عاشها الأنصاري قبل الحوار كانت أهم من الحوار وأمتع. سافر مصطفى من الرياض إلى المنطقة الغربية بالسيارة، من أجل السلام على والديه في مكّة، التي غادرها فجر يوم اللقاء إلى جدة حيث الضيف، حتى يرتاح ساعات قبيل موعد اللقاء في الواحدة ظهراً. وبقي مصطفى يطوف على فنادق جدة واحداً تلو الآخر، فلم يجد مع إجازة الصيف خرماً إبرة يبيت فيه.
بعد ساعات بدأت الهواجس تطرق صاحبنا، وقد استبد به التعب، وأخذ الإجهاد منه كل مأخذ، مقللاً من قيمة الحوار، معتبراً نفسه قد أجرم في حقه، مردداً بلسان العاتب على نفسه:"وما أعجلك عن قومك يا مصطفى. كان رقدت جنب أمك أحسن لك"!
ولولا سمعة غربان جدة السيئة، لافترش الأنصاري الأرض بحثاً عن سويعات راحة قبل لقاء مرتقب. وقف الأصدقاء الذين يعرفهم مصطفى في جدة، منه موقف الفنادق الممتلئة بسياح إجازة الربيع.
وبين جيبه الذي يحمل نقوده وعدم قدرته على توفير مكان يلقي بجسده فيه، كان صاحبنا يردد بيت امرئ القيس الشهير، مخاطباً الإعياء والتشرد معاً:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي *** ومسنونة زرق كأنياب أغوالِ
وبعد خمس ساعات من التشرد والإجهاد والإعياء، وبقاء ثلاث ساعات على الموعد، وجد مصطفى فندقاً رثاً معروضاً للبيع، فظنه مهجوراً، وقال لنفسه، أغفو بداخله ساعة، حتى لو قبضت علي الشرطة، فسأجادلهم بما اشتهر عن الصحافيين من أنهم بياعو كلام، فدخله، فإذا هو معمور، وقد امتلأ بالساكنين، فأخبر العامل الهندي أنه سيضطجع على أي كرسي أمامه، مهما كانت النتائج، فعرض عليه أن يعطيه غرفة لا باب لها، مقابل 200 ريال، فلم يكن أمام صاحبنا خيار سوى الموافقة. كانت حالة الغرفة يرثى لها، اتساخاً... خلافاً لكونها بلا باب، فمن يمر بها سيرى رجلاً على سرير بلا ساتر، لكن لا بد مما ليس منه بدُ.
شكراً مصطفى لأنك أطلعتنا على قصتك كتابةً، فحوار الأمين العام رغم أهميته، قد يجريه أي صحافي، بالفاكس، أو الإيميل، إن كان زميلنا أكثر اهتماماً... أما هذه القصة، فلا تقع إلا لمن أعطى الصحافة كله، لتعطيه... بعضها!