
تحت وطأة حنان الأمومة، لم تستطع أم محمد، أن تقبل بالأمر الذي فرض عليها بعد الطلاق، خاصة بعد أن حصل طليقها على حق حضانة الأبناء لعدم أهليتها، وعلى الرغم من أنها قبلت بالحكم وصمتت، اعترافاً منها بذنبها، إلا أن نصيبها من أبنائها كان رؤيتهم لعدة ساعات في الأسبوع، لكن رغبتها في رؤيتهم والحديث واللعب معهم، وبإيعاز من شقيقتها المتعاطفة معها، دفعها إلى خطفهم، والهروب بهم. لكن محاولتها باءت بالفشل، وتمكن زوجها من إثبات هذه المحاولة، ليقرر بعدها الانتقال للعيش خارج الرياض، وحرمان أم محمد من رؤية أبنائها نهائياً، «سيدتي» التقت بها لتروي فصول آلامها وهي تعيش بعيدة عن أولادها. وتلتقي طليقها، الذي تحدث عن الأسباب التي دفعته لذلك..
الرياض: سعد التميمي
منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها أم محمد بسرد قصتها، لم تستطع السيطرة على نفسها، وكانت تردد عبارة واحدة فقط، «أريد أن أرى أبنائي وأن يعيشوا معي»، وكأنها تنقل لنا غصة بداخلها جاهدت كثيراً لكتمانها، وبعد أن نجحت شقيقتها بتهدئتها تحدثت عن السبب الذي جعلها تحرم من أبنائها، فقالت: بعد أن طلقني أبو محمد دخلت معه في قضية بالمحكمة، حيث كان كل واحد منا يطالب بأن يمنح الحق في حضانة الأبناء، وفي نهاية القضية حكم القاضي بأن يحصل طليقي على حق الحضانة، ومنذ تلك اللحظات بدأت معاناتي، فقد أصبحت لا أرى أبنائي سوى ساعتين أو ثلاث كل أسبوع، وهذا أمر صعب علي، وصعب على كل أم تحب أبناءها.
كذب وافتراء
< في العادة يكون حق الحضانة للأم، فلماذا حكم القاضي بأن يكون الحق للأب؟
هذا الذي لا أستطيع استيعابه، وقد حاولت الاستئناف على الحكم والمطالبة بحق الحضانة، لكنني لم أنجح، فقد أيد الاستئناف حكم القاضي، وحكم بأن يبقى الأبناء مع والدهم، خاصة بعد أن نجح طليقي في إيهام المحكمة ببعض الأمور التي كانت كذباً وافتراء.
< ماذا تقصدين؟
أقصد أن طليقي ادعى أمام المحكمة ببعض الأمور السلبية عني، فقد ذكر لهم بأنني أتعامل بالسحر، وأنني عندما كنت زوجة له قمت بعمل السحر لزوجته الثانية، وبهذا قد شوه صورتي أمام القاضي، والمؤلم أنه نجح بإيجاد بعض الشهود الذين شهدوا معه.
< وهل هذا الادعاء الذي ذكره طليقك كان السبب في طلاقك؟
لا، أبداً، أنا التي طلبت الطلاق، فبعد أن تزوج زوجة ثانية، لم أستطع البقاء معه، وغادرت منزله إلى بيت شقيقتي وأقمت معها، وقد كنت أتوقع أنه سوف يأتي إلي ويرجعني إلى بيتي، ويطلق زوجته الجديدة، خاصة أنه تجمعنا سنوات وعشرة طويلة، ولكنه في كل مرة كان يأتي فيها لرؤية الأولاد، لا يطلب رؤيتي، ولم يكن يكترث بي، فشعرت بأنه غير آبه بي، لذلك قررت أن أطلب منه الطلاق، أو أن يطلق زوجته الثانية، وأصررت على طلبي، فاختار أن يبقي على زوجته الثانية ويطلقني، وبعد الطلاق بعدة أيام، فوجئت به يحضر لمنزل شقيقتي ويطلب اصطحاب الأبناء معه، توقعت أنه سوف يأخذهم للنزهة، فلم أمانع بخروجهم، لكنهم لم يعودوا بعد ذلك، وبعد أن اتصلت به أختي لتسأله عن الأبناء، أخبرها أنهم معه وأنه لن يعيدهم، وأنه هو الذي سوف يعتني بهم.
< ماذا فعلت بعد ذلك؟
في البداية حاولت أن أسترجع منه الأبناء بشكل ودي، ولكنه لم يستجب نهائياً، فرفعت دعوى بحقه في المحكمة وطالبت فيها بحق حضانتي لأبنائي، وبعد عدة جلسات أمام القاضي، ادعى خلالها طليقي بأنني أتعامل بالسحر، وأنني لست مؤهلة للحضانة، وقد صدقه القاضي، وحكم بأن تكون الحضانة له.
محاولة الاختطاف
< هل هذا ما جعلك تحاولين اختطافهم؟
نعم هذا هو السبب، فعندما تتهم بتهمة ظالمة، ويؤخذ منك أبناؤك، فإنك تنهار تماماً، وتسعى بأي طريقة لاسترجاعهم، حتى ولو كان في ذلك مخالفة للقانون، فليس هناك ما هو أسوأ من خسارة الأبناء.
< كيف خططت لاختطافهم؟
تتدخل شقيقتها: عندما رأيت الحالة النفسية السيئة التي وصلت لها شقيقتي بعد خسارتها القضية، وأنها لا تكاد ترى أبناءها، سوى لساعتين في الأسبوع، خططت أنا كي نختطفهم ونخفيهم عن والدهم، الذي كان كما علمنا مهملاً لهم، ولم يكن يرعاهم كما يجب، وكان يتركهم لزوجته الثانية، التي كانت تتعامل معهم بقسوة، وهذا الكلام ذكروه هم لنا في الأوقات التي نراهم فيها.
وتواصل الشقيقة: وباعتبار أن الأبناء الثلاثة كلهم، محمد وخلود وسامي، يدرسون في المدارس، فقد توجهنا في أحد الأيام إلى مدارسهم، وكانت البداية في مدرسة خلود، وقمنا بأخذها من المدرسة، وكانت إدارة المدرسة تجهل الخلافات التي وقعت بين أم محمد وطليقها، فلم تمانع بأن تخرج معنا، وبعد أن أخذنا خلود توجهنا إلى المدرسة التي يدرس فيها محمد وسامي، وطلبنا من مدير المدرسة أن يخرجهما من الفصل ليذهبا معنا، وعندما سألنا عن سبب عدم قدوم والدهما، أخبرناه أنه مسافر، وأن أمهما جاءت لأخذهما حتى تلتحق هي والأبناء بوالدهم، فوافق على إخراجهما، ولكن المرشد الطلابي في المدرسة هو من شك بالأمر، وقام بالاتصال بوالدهما عبر جواله، وسأله عن الأمر، فطلب منه أبو محمد ألا يسلم الأبناء لنا، وفي غضون دقائق، وبينما نحن ننتظر إخراج محمد وسامي، فوجئنا بالأب يحضر إلى المدرسة برفقة رجال الأمن، الذين اصطحبونا إلى قسم الشرطة وقاموا بتسجيل القضية، وكانوا سوف يرفعون أوراقنا إلى المحكمة، بناء على طلب الأب، لكن بعض من كانوا في قسم الشرطة من الرجال تدخلوا في الأمر، وحاولوا التوسط لنا، بعد أن علموا بفحوى القضية ورق قلبهم لأم محمد، وفي النهاية وافق أبو محمد على التنازل، بعد أن اشترط علينا أن يربط تنازله بعدم مطالبته في ما بعد برؤية الأبناء، وكأنه كان ينتظر هذه الفرصة، ولخوفنا من أن يصعد القضية إلى المحكمة قبلنا بهذا الشرط، ومنذ تلك الحادثة وأم محمد محرومة من رؤية أبنائها، وقد زاد الطين بلة، عندما قرر أبو محمد أن ينتقل من مدينة الرياض ليعيش في أبها، وكأنه يريد أن يحرم شقيقتي من رؤية أبنائها نهائياً.
< كم مضى الآن عليكم دون رؤية الأبناء؟
تجيب أم محمد: مضت الآن سنتان لم أر خلالهما أبنائي، وكل ما لدي منهم هي صور قد صورتها بجهازي الجوال في السابق، وما زلت أحتفظ بها، وكل ما أخشاه أن يتلف جهازي الجوال وتضيع صورهم وأحرم من رؤيتهم نهائياً.
الأب: أخاف على أبنائي منها
بعد أن انتهينا من الحديث مع أم محمد، حاولنا التوصل إلى وسيلة اتصال بـ «أبو محمد» من خلال البحث عن اسمه الكامل في دليل الهاتف، وبعد عدة محاولات فاشلة، واتصالات خاطئة، وفقنا بالتعرف على رقم هاتفه، وقد تجاوب بالحديث معنا بعد إقناعه، ويقول: نعم أنا حريص كل الحرص على عدم رؤية هذه المرأة لأبنائي، فهي امرأة غير سوية، وهي تقوم بممارسات تتنافى مع الدين، ولخوفي على أبنائي منها فقد أبعدتهم عنها.
شاهد من أهلها
< هل تقصد بكلامك هذا أنها تعمل بالسحر كما ذكرت أمام القاضي في جلسات الحكم بالحضانة؟
نعم هذا ما أقصده، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فهذه المرأة قد حاولت عمل سحر لزوجتي الثانية بعد زواجي بها، وعندما كشفنا أمرها، حاولت أن تعمل سحراً لي، ولكن الله نجانا منها وكشف مخططاتها.
< لكنها تنفي هذا الأمر؟
هي تكذب عليكم، فقد أثبت هذا الأمر أمام القاضي، وقد شهدت عليها قريبتان لها، بأنها كانت تبحث عن من يعمل لها سحراً موجهاً لي ولزوجتي، وهاتان القريبتان هما من بادرتا بالاتصال بي لتخبراني بما تنويه هذه المرأة، وقد تبين للقاضي عدم أهليتها، ولذلك حكم بحقي بالحضانة، إضافة إلى أن أبنائي أساساً قد بلغوا مرحلة من العمر تجعل من حقي أن أتولى حضانتهم.
ويضيف أبو محمد: ولكي أدلل لكم على أن هذه المرأة غير سوية فقد حاولت أن تخطف أبنائي بمساعدة شقيقتها، ولكن رحمة الله بهؤلاء الأطفال كشفت مخططها في اللحظة الأخيرة، وهذا الذي أقوله مثبت في محضر قسم الشرطة.
< هي لم تنكر محاولة أخذ أبنائها، لكنها بالمقابل تقول إنك استغللت هذا الموقف بأن جعلتها تتنازل عن حقها برؤية أبنائها مقابل أن تتنازل أنت عن تصعيد القضية للمحكمة؟
هذا غير صحيح، هي التي عرضت علي هذا العرض، بعد أن أدركت أنها بسبب فعلتها الشنيعة هذه سوف تدخل السجن، ولو لم أقبل طلبها هذا لكانت الآن تقيم في السجن مع شقيقتها، لكني رحمتها لكونها زوجتي سابقاً، وأم أبنائي، لذلك قبلت طلبها، حتى لا يعيّر أبنائي مستقبلاً بأن أمهم سجينة.
< وهل تنوي السماح لها مجدداً برؤية أبنائها؟
أنا في الأساس لم أكن أمانع بهذا، فقد كنت أتيح لها فرصة رؤيتهم حسبما حكم القاضي سابقاً، لكنها هي التي أفسدت الأمر على نفسها في ما بعد، وعلى أي حال عندما يكبر أبنائي ويصبحون قادرين على إدارة شؤونهم بأنفسهم، فلن أمنعهم من رؤيتها، أما بالنسبة لي، فلن أتساهل معها بعد تصرفاتها التي قامت بها، ولن أجعلها ترى الأبناء ما داموا تحت رعايتي.
الرأي الشرعي
«عندما يقدم الحاضن على فعل المحرمات يسقط حقه بالحضانة»
هذا ما يقوله الشيخ محمد الوهبي، الباحث في الفقه، حول ما تراه الشريعة الإسلامية في الحضانة: الحضانة تكون للنساء والرجال من المستحقين لهم، إلا أن النساء يقدمن على الرجال لأنهن أشفق على الصغار، ثم تصرف إلى الرجال لأنهم أقدر على الحماية والصيانة.
وحضانة الطفل تكون للأبوين إذا كان النكاح قائماً بينهما، فإن افترقا، فالحضانة لأم الطفل باتفاق، لما ورد أن امرأة أتت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول الله: إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني. فقال: أنت أحق به ما لم تنكحي.
وعن الحالات التي تسقط بها الحضانة، يقول الشيخ محمد: الحضانة تسقط لعدة أسباب، خاصة إذا ثبت تجاوز المقدم بالحضانة، وكما ذكرتم لي عن حالة الأم التي أسقطت عنها حضانة أبنائها بسبب تعاملها بالسحر، كما تبين للقاضي، فهذا كان لأنها قد أخلت بشرط الأمانة في الدين، فلا حضانة لفاسق، لأن الفاسق لا يؤتمن، والمراد بالفسق هنا كالإشهار بشرب الخمور، والسرقة، والزنا، واللهو المحرم، وأي ممارسة بها تجاوز لحدود الله، أما مستور الحال فتثبت له الحضانة.