الدمام: منى الشهري
أكثر من 600 مصنع في الجبيل فتحت أبوابها أمام الرجال دون قيد أو شرط، بينما أغلقتها تماما أمام الفتيات اللاتي أصبحن يبحثن عن فرص العمل خارج مدينتهن.
385 ألف فرصة عمل جديدة بالجبيل، تشمل 55 ألف "وظيفة" في الجبيل (2)، و330 ألف فرصة عمل غير مباشر، ليس بينها وظيفة واحدة لفتاة.
معطيات الأرقام لم تتوقف عند هذا الحد، حيث تكشف أن قيمة المشروعات التي تم تدشينها أخيرا في الجبيل بلغت 68 مليار ريال، الأمر الذي يعني أننا أمام صرح اقتصادي يحتضن عددا من أقوى وأكبر المشاريع الصناعية في المملكة.
فهل يجوز، في ظل هذه الحقائق، "حرمان" المرأة من العمل في مشروعات ومصانع هذا الصرح الاقتصادي؟. وما المعوقات التي تحول دون عمل المرأة بها؟. وكيف يمكن إزالة تلك المعوقات؟. وماذا تستطيع المرأة أن تضيف إلى تلك القطاعات الصناعية إذا نجحت في الانضمام إليها؟.
التحقيق التالي يحاول الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.
بداية.. تؤكد الإحصاءات الاقتصادية أن رأس المال المستثمر في مدينة الجبيل أكثر من 230 مليار ريال، ويبلغ معدل النمو الصناعي 4% سنوياً. وتصل حصة المدينة في السوق العالمية للبتروكيماويات إلى نحو 7% من الإنتاج العالمي، ويبلغ عدد المنتجات الصناعية أكثر من 60 منتجا تصدّر إلى الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية من أكثر من ثلاثة آلاف مصنع.
يوجد حاليا 177 مصنعا جديدا قيد التشغيل، و35 مصنعا تحت الإنشاء، ويبلغ عدد المنتجات أكثر من 60 منتجا.
وعلى الرغم من ذلك فإن فتيات الجبيل على جميع مستوياتهن التعليمية لا يجدن مكاناً في هذا الصرح الاقتصادي، حيث لا يُسمح للمرأة بالانخراط في العمل الصناعي، كما تمنع من دخول منطقة الصناعات، حتى أصبحت الفرص الوظيفية بالمدينة في مجال الاستثمار والصناعة "مقصورة" على الرجال دون النساء.
أنباء غير مؤكدة ترددت منذ فترة بين كثيرين، خاصة في مدينة الجبيل حول اعتزام شركة سابك طرح وظائف نسائية، لكن المسؤولين لم يؤكدوا ذلك.
الإحصائيات تؤكد تخريج نحو 300 فتاة سنوياً من كلية التربية للبنات بالجبيل وحدها، في خمسة تخصصات، ينضممن إلى صفوف الخريجات السابقات اللاتي درسن في كليات الدمام ومناطق أخرى.. وكثيرات منهن في انتظار "الوظيفة".
وزارة العمل كشفت في إحصائية عام 2007م أن عدد النساء السعوديات العاملات في قطاع المناجم واستخراج البترول والغاز والمحاجر بلغ 438 سيدة فقط، فيما بلغ عدد العاملات في الصناعات التحويلية 2922 في الوقت الذي تجاوز فيه عدد الخريجات الجامعيات اللاتي تقدمن لوزارة الخدمة المدنية أكثر من 300 ألف خريجة.
ردود المسؤولين.. اعتذارات
فتيات الجبيل أجمعن على أن مدينتهن الصناعية تخلو من "تنوع" الفرص الوظيفية، وأن قطاعات أخرى كالتعليم والصحة اكتفت في التوظيف.
فاطمة السلمان ـ بكالوريوس في الحاسب الآلي ـ تؤكد أنها تقدمت بطلبات إلى أكثر من شركة في الجبيل الصناعية، للبحث عن وظيفة، والعمل فيما يتناسب مع تخصصها، حيث ترى أن العمل في المصنع عن طريق استخدام الكمبيوتر لا تكتنفه صعوبات إذا تم تدريب الموظفة.
تضيف أنها استقبلت اتصالات هاتفية، ورسائل على بريدها الإلكتروني من مسؤولي الشركات، يعتذرون فيها عن عدم وجود أقسام نسائية في مصانعهم.
وتؤكد أن مدينة الجبيل شبه خالية من "تنوع" الفرص لتوظيف الفتيات رغم وجود المشاريع الضخمة التي تنعم بها، الأمر الذي جعلها تبحث عن "وظيفة" في مدن أخرى.
لا عوائق اجتماعية
أما وليد العجب المدير التنفيذي لمصانع العجب لجلفنة المعادن فيجزم بأنه ليس هناك ما يمنع المرأة السعودية من العمل في مجال الصناعة بمدينة الجبيل، مؤكداً أنه لا توجد أي عوائق اجتماعية لعملها في المصانع.
يلفت إلى أن هناك أمرا واحدا قد يعوق عمل بعض النساء في المنطقة الصناعية الخاصة بالجبيل (1) حيث تبتعد منطقة الصناعات عن مراكز الخدمات في المدينة، الأمر الذي يُساهم في جعلها "معزولة"، مشيرا إلى أنه يمكن للشركات الكبرى توفير تلك الخدمات.
يرى أنه من الصعب فصل النساء في أقسام خاصة في المصانع، لأن طبيعة العمل تعتمد على التشغيل كوحدة متكاملة، بالإضافة إلى أن ذلك سيزيد تكلفة المصانع.
يوضح أن تخصيص أقسام نسائية في المصانع، سينبع من هدف اجتماعي أكثر منه تجاري، لافتا إلى أن العمل الإداري لتشغيل المصانع يتناسب مع طبيعة المرأة أكثر، وكذلك العمل اليدوي البسيط، كتركيب القطع الإلكترونية، والتغليف.
يؤكد أن صعوبة العمل في المصانع، وارتفاع درجات الحرارة في المنطقة قد تُعيق عمل بعض النساء في هذا المجال.
"آلية".. لتعيين النساء
ناصر الشهري مدير المبيعات والمشتريات والمفوض بإدارة شركة الكيماويات الوسيطة "مصنع أكسدة الزنك العربي" في مدينة الجبيل الصناعية يؤكد أنه استقبل سيرا ذاتية لفتيات كثيرات تقدمّن للعمل في المصنع عبر موقع الشركة، ويحملن مؤهلات جامعية، ولكن لا يمكن تعيينهن حالياً لعدم وجود نظام من مكتب العمل يُلزم بذلك.
يرى أن المشكلة تكمن في عدم وجود آلية واضحة لتطبيق أنظمة تعيين النساء في المصانع، مشيرا إلى أن عمل المصنع يعتمد على إنتاج "بودرة" أول أكسيد الزنك التي تدخل في صناعات أخرى عديدة.
ويؤكد أنه تمت الاستعانة أخيرا بخبيرة هندية، حضرت إلى المصنع لمدة يومين، لتشغيل جهاز يحتاج إلى خبرة عالية، ولم يتمكن أحد من معرفة طريقة تشغيله إلا بعد حضورها، والاستفادة منها.
يُوضح أن الوظائف التي تناسب طبيعة عمل المرأة كخطوة أولى، في حال تم السماح لها بالعمل في المصانع، تشتمل على التسويق والمبيعات والسكرتارية.
ويجزم بأن عمل النساء في مجال الصناعة سيدفع عجلة الاقتصاد في مدينة الجبيل الصناعية بنسبة قد تصل إلى 30%، مشيراً أن التخصصات التي قد تفيد في العمل تتضمن الكيمياء والهندسة الكيميائية والصناعية، وإدارة الأعمال.
مشروع.. لم يكتمل
بركات العازمي مدير شؤون التوظيف في شركة "إم.كي" لأنظمة حماية الكابلات السعودية المحدودة في مدينة الجبيل له وجهة نظر مختلفة، يلخصها بقوله: إن الشباب العاطلين أحق بالعمل في المصانع.
ويلفت إلى أن الشركة التي يعمل بها سبق أن طرحت فكرة افتتاح أقسام خاصة للنساء، لكن تغيير خط المنتج تسبّب في عدم تنفيذ المشروع.
العازمي يطالب شركات "سابك" بأن تأخذ المبادرة، وتفتح المجال للنساء حتى تكون قدوة للشركات والمصانع الصغيرة.
يشدد على أن الفتيات يتفوّقن على الشباب في الانضباط في العمل، ويؤكد أن العوائق التي تقف أمام عمل النساء في مصانع الجبيل تنحصر في تخصيص أقسام خاصة بهن بجميع خدماتها.
ويقول: إن العمل في المصانع لا يحتاج إلى مؤهلات عالية، بل تكفي شهادة الثانوية أو المتوسطة أو الدبلوم، للعمل على مسمّى مشغّل، ومندوب علاقات، وسكرتارية.
"كادر" نسائي كامل
بكلمات قوية واضحة تنتقد منى الطعيمي مديرة برنامج الأمير محمد بن فهد بالدمام بعض القائمين على المصانع من رجال الأعمال، وتصفهم بأنهم "استفادوا من وطنهم ولم يقدموا له شيئا".
ترى أن اللوم في عدم توظيف الفتيات بمصانع الجبيل يقع على المصانع نفسها، حيث لم تبادر بمدّ يد العون للفتيات.
وتتوقف أمام قضية مهمة بقولها: إن وزارة العمل لم تُصدر قرارات قوية لتغيير الوضع الحالي بهدف تشجيع عمل النساء في المصانع.
تجزم بأن العمل في المصانع يناسب المرأة كثيرا، خاصة أن معظم مصانع المملكة تعتمد على التشغيل الآلي الذي يقوم على أجهزة التحكم باستخدام الكمبيوتر، مؤكدة أن النظرة الاجتماعية تغيّرت الآن تجاه العمل في المصانع، وإن كان بعض الفتيات لا يزال يخشى من فكرة العمل بالمصنع.
وتلفت إلى أنها اقترحت منذ 3 سنوات، في ورقة عمل قدمتها في إحدى المناسبات، أن يتحوّل كادر المصانع بالكامل إلى "نسائي" لأنه لا يوجد ما يمنع ذلك، خاصة أن معظم المصانع تتسم بالخصوصية من حيث كونها مغلقة ومكيّفة.
كليات تطبيقية للفتيات
الطعيمي تؤكد أنها زارت أكثر من 30 مصنعا في المنطقة الشرقية، ووجدت أن مصانع الألبان، ومياه الشرب، والمشروبات الغازية، والمستلزمات الكهربائية، وأدوات الديكور، ومصانع الأثاث، والصبغ تناسب المرأة تماماً، فالعمل يتم بطريقة آلية، ولا يحتاج إلى تدريب طويل، وإنما فترة لا تتجاوز شهرين.
ترى أنه بإمكان الفتيات العمل في مصانع أنابيب البترول، التي زارت أحدها أخيرا، ووجدت العمل بها يعتمد على الكمبيوتر، وتشغيل الأجهزة، وهو ما يسهل على الفتاة العمل به.
وتشير إلى أنه يمكن تعيين الطالبات المنسحبات من التعليم، اللاتي تصل أعدادهن إلى رقم كبير، على فئة "عاملات" في المصانع.. أما المتعلمات، فيمكن أن يعملن في إدخال البيانات.
تطالب الطعيمي بإنشاء الكليات التطبيقية لتعليم الفتيات المهارات التقنية، وتؤكد أن توظيف الفتيات في المصانع، بدلا من العمال الأجانب، سيساهم في أن تعود أرباح المصانع على أهل البلد، بدلاً من إرسالها للخارج، مشيرة إلى أن العوائق التي قد تواجه عمل الفتيات في المصانع تنحصر في الخوف من الجديد فقط.
وتختتم كلامها مؤكدة أن برنامج الأمير محمد بن فهد لا يزال يواجه صعوبة في توظيف 24 ألف فتاة تقدمن بطلبات للعمل، ولم يجدن وظائف حتى الآن.
حق تكفله الدولة
نادية الدوسري رئيس مجلس إدارة شركة السيل للحديد والصلب في المنطقة الشرقية، وأول سيدة سعودية تعمل في هذا المجال تؤكد أن قوانين عمل المرأة لا تزال "غامضة". تقول: لا يوجد قانون مكتوب، على الرغم من أننا نقرأ ونسمع يوميا من كبار المسؤولين أن عمل المرأة "حق تكفله الدولة"، ونسمع من علماء الدين عدم اعتراضهم على عمل المرأة في المجالات المناسبة لها.
تضيف أننا نُصدم يوميا بكمية المعوّقات التي ليس لها مقياس ثابت، فتارة يقولون إن نوعية العمل صعبة وشاقة ولا تناسب طبيعة الأنثى، مع أنها تعمل طبيبة وممرضة، وهي أعمال أكثر مشقة، وأفدح مسؤولية.. وبالرغم من كل ذلك فإن المرأة السعودية أثبتت قدرتها في جميع المجالات المفتوحة، بل وتفوّقت في مرات عديدة على زميلها الرجل.
تجزم "الدوسري" بأن القطاع الصناعي مناسب لطبيعة المرأة.. تقول: لا يوجد عمل لا يناسب المرأة، ومسألة القدرات نسبية، ولو أخذنا بعين الاعتبار القدرات الفكرية والثقافية فنحن لا نجد مقياسا علميا ثابتا، فتارة تتفوق المرأة وتارة أخرى يتفوق الرجل.
تشير إلى أنه فيما يتصل بالقدرات البدنية لا يوجد مقياس تاريخي ثابت، فالأمريكيات عملن في مصانع الطائرات والسلاح أثناء الحرب العالمية الثانية، لوجود العنصر الرجالي في الحرب، ولم يكن لديهن خبرة، ولكن كل واحدة منهن تعلمت حسب قدرتها، وعندما انتهت الحرب رفضت الكثيرات ترك المهنة، وأثرين المصانع الأمريكية إلى يومنا هذا بأيديهن المدربة القوية.
وتشدد على أن الدول المتقدمة لا تقيس القدرة بجنس البشر، بل بالجودة، وتستشهد بعمل النساء في الماضي بالحقول، حيث كن يقمن بأعمال شاقة يعجز عنها بعض الرجال.
وتؤكد أن وطننا في أمسّ الحاجة إلى جميع الطاقات، مشيدة بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الواضحة والصريحة، وتطالب جميع المسؤولين بأن يقفوا وقفة شجاعة لتنفيذ جميع الطموحات الرامية إلى النهوض بالوطن والمواطنين.