--------------------------------------------------------------------------------
حاولت ان تفتح عينيها.. وجدت نفسها في مكان غريب.. مكان لم تألفه من قبل.. الجدران بدت متهالكة، والأَسِرّة غير نظيفة، ووجوه غاضبة حزينة تحدق فيها.
شعرت ببرودة تسري في جسدها الغض.. إنه أول شهر في السنة الميلادية، حيث تنخفض درجة الحرارة في بغداد.. لمحت عدداً من أقرب أقربائها حول سريرها بمركز طبي قديم في ضواحي المدينة ينظرون إليها بحزن وشفقة وألم.
أحدهم كانت ملامحه حزينة غاضبة.. إنه شقيقها الأكبر.
ـ ليتك لم تستيقظي من غيبوبتك.. يا ليتنا متنا جميعاً قبل هذا، وكنا نسيا منسيا.
لم تفهم ما يقصد شقيقها، لكنها أدركت ان شيئا مؤلما قد حدث.
ـ أين أبي؟
ـ أبوك مات بجلطة بعد ان علم بالفضيحة!
أغمضت عينيها لدقائق.. انسابت دموع رقراقة كحبات اللجين على خدها الناعم.. اختلطت دموعها بجرح جديد في وجهها.. أحست بألم الجرح حين لامسه الدمع.. بكت مرة أخرى. صوت بكاء أمها يصل لأذنيها.. مات والدها.. فضيحة لأسرتها.. آلام في وجهها وساقها وجسدها.
الأم تبكي.. الشقيق غاضب.. أفراد اسرتها يلتفون حولها صامتون.. سيحدقون فيها.. خالتها واشقاؤها الصغار.
يدخل الطبيب الغرفة ويطلب من الجميع الخروج.. يرفض الشقيق أن يترك المكان حتى يعرف الحقيقة.. هل فقدت شقيقته عذريتها بعد ان اعتدى عليها محتل كافر؟!
أحست الفتاة ان رأسها ينفجر، وأن خناجر تمزق احشاءها، وأن حبلا متينا يلتف حول رقبتها في قسوة، وتمنت لو ان الأرض انشقت وابتلعتها.
أصوات ترتفع، وصيحات ملتاعة تمتزج مع صوت الأجهزة الطبية.. يخرج الطبيب دون ان ينبس ببنت شفة.. حاولت ان تنهض من السرير.. لكن هيهات والأنابيب تقيد ذراعيها، وساقها اليمنى كسرت بعد ان قفزت من شرفة
منزلها في الطابق الثاني هربا من المعتدي.. لكن بعد ان اعتدى عليها بعنف وأفقدها عذريتها وأسال دم كرامتها، تذكرت الفتاة بعض المشاهد قبل ان تفقد وعيها، الحقير.. الحقير.. بدت عينا شقيقها ناراً ملتهبة كأنها تحرق كل جزء من جسدها.. يريد ان يطبق على رقبتها ولكنه تراجع، وقال شقيقتي نحبك كثيراً.. ولكن لابد ان تموتي.. لقد جلبت العار لنا جميعا.. دخلت أمها.. قبلتها.. مسحت دموعها.. طلبت الفتاة منها ان تنزع الأجهزة عنها.. أن تقتلها.. انت يا أمي كنت سببا في وجودي في هذه الدنيا، وأنت ستكونين سببا في رحيلي عنها.. ما قيمة وجودي هنا وقد فقدت شرفي.. ما قيمة الشجرة وقد يبست أوراقها، وما قيمة الضوء الساطع وقد بعثره الهواء العفن؟!
قرأت الحزن على وجه أمها.. لمحت الغضب على وجه أخيها.. نظرت الى خالتها واشقائها الصغار نظرة مودع.. أريد ان ألحق بأبي.. إن لم تقتلوني قتلت نفسي.. لم اخطئ فأنا الشريفة.. ولكن قاتل الله من أذن للكفار ان يدنسوا طهرنا وشرفنا وعراقنا. «لا إله إلا الله».. لفظتها بصوت منخفض حزين..
اقتربت أمها.. انتفضتا خوفا.. نظرات مذعورة.. مشاعر واهنة مرتعشة.. الدموع تنهمر.. العرق يسيل غزيرا.. اطبقت الأم بكلتا يديها على عنق ابنتها.. ضغطت بقسوة، ووضع الشقيق يده على فم شقيقته ويداً اخرى على انفها..
اشتبكت اصابع الفتاة برفق بكفى أمها، ومسحت الخالة جبهة الفتاة، واغضمت عينيها.. لحظات.. وارتخت الأيادي.. طبع الجميع قبلات على جبين الفتاة وانفضوا ساهمين، وخرجوا.. لكن المعتدين لم يخرجوا!!
:huh: